✨ «البرّانية».. حكاية مصرية تعبر الحدود
من قرية مصرية صغيرة إلى واحدة من أبرز منصات السينما الدولية، يواصل فيلم «البرّانية» للمخرجة المصرية الهولندية أشجان الهمص خطواته خارج مصر، بعدما سجل عرضه العالمي الأول في مهرجان البندقية السينمائي الدولي، قبل أن يستعد للانتقال إلى محطة جديدة في أمريكا الشمالية من خلال مهرجان شيكاغو السينمائي الدولي.
ويُعد الفيلم أول تجربة روائية طويلة للهمص، وهو ما يمنح مشاركته في مهرجان دولي بهذا الحجم أهمية خاصة لمسيرتها السينمائية، خصوصًا أن المشروع يحمل طابعًا شخصيًا واضحًا، وينطلق من علاقتها بجذورها المصرية وتجربتها مع العائلة والقرية.
🎥 ومن المقرر أن يعرض «البرّانية» في مهرجان شيكاغو السينمائي الدولي خلال الفترة من 14 إلى 25 أكتوبر، ضمن مسابقة «المخرجين الجدد»، وهي المسابقة التي تتيح مساحة للأصوات السينمائية الجديدة وتقدم تجارب لمخرجين في بدايات مشوارهم الطويل مع الفيلم الروائي.
ولا يعتمد العمل على الحكاية المصرية باعتبارها خلفية للأحداث فقط، وإنما يجعل المكان جزءًا أساسيًا من الدراما؛ فالقرية والأرض والبيت والعائلة كلها عناصر تتحرك مع الشخصيات وتؤثر في قراراتها.
🌾 أمل.. امرأة تقف أمام مفترق طرق
تتمحور أحداث «البرّانية» حول أمل، وهي امرأة حامل تعيش مع أسرتها في قرية ريفية، قبل أن تتغير تفاصيل حياتها عندما تحصل العائلة على عرض لبيع أرضها.
قد يبدو القرار اقتصاديًا في ظاهره، لكنه سرعان ما يتحول إلى أزمة عائلية وإنسانية أكبر.
🌱 فالأرض بالنسبة للأسرة ليست مجرد مساحة يمكن بيعها مقابل المال، وإنما تمثل الذاكرة والانتماء والاستقرار، وترتبط بتاريخ العائلة وأجيالها السابقة.
ومع ظهور فكرة البيع، تبدأ الشكوك في التسلل إلى أفراد الأسرة، ويجد كل شخص نفسه أمام تصور مختلف لما يجب أن يكون عليه المستقبل.
وفي قلب هذه التحولات تقف أمل، التي تواجه بدورها سؤالًا شخصيًا شديد الحساسية: هل تستمر في الحياة التي اعتادت عليها، أم تمنح نفسها فرصة لتجربة مستقبل آخر؟
وتصبح المدينة في الفيلم رمزًا لاحتمال جديد؛ حياة تبدو أكثر اتساعًا وفرصًا، لكنها في الوقت نفسه مجهولة وغير مضمونة.
✨ وهنا لا يقدم الفيلم إجابة مباشرة، بل يترك الشخصيات والجمهور داخل مساحة من الأسئلة حول معنى الأمان، وحدود الاختيار، والثمن الذي قد يدفعه الإنسان عندما يقرر تغيير حياته.
👩👩👧 العائلة والمرأة بين التقاليد والرغبة في الاستقلال
واحدة من أهم نقاط «البرّانية» هي الطريقة التي يتعامل بها مع العلاقات العائلية.
فالفيلم لا يضع الصراع في صورة مواجهة مباشرة بين الخير والشر، بل يرصد شبكة معقدة من المشاعر والمصالح والخوف على المستقبل.
وتصبح أمل نموذجًا لامرأة تحاول فهم موقعها داخل الأسرة، بينما تتغير الظروف المحيطة بها بسرعة.
🤰 كما يضيف حملها طبقة درامية أخرى، لأن قراراتها لم تعد مرتبطة بها وحدها، وإنما بالمستقبل الذي ينتظر طفلها أيضًا.
ومن خلال هذه الشخصية، يقترب الفيلم من أسئلة تتعلق بالاستقلالية الفردية، والاختيارات الشخصية، وضغط المجتمع، ودور المرأة داخل الأسرة، إلى جانب التباين بين الأجيال.
ولا يقدم «البرّانية» القرية باعتبارها مكانًا سلبيًا بالكامل، كما لا يصور المدينة باعتبارها الجنة المنتظرة.
🏡 هناك دفء اجتماعي حقيقي في القرية، وروابط قوية بين أفراد الأسرة، لكن توجد أيضًا قيود وضغوط وقلة في الفرص.
🌆 وفي المدينة قد توجد مساحة أكبر للاختيار، لكن هذه المساحة تأتي معها مخاطر وأسئلة جديدة.
هذا التوازن هو أحد الجوانب التي تمنح الفيلم بعده الإنساني.
❤️ فيلم شخصي مستمد من جذور أشجان الهمص
بالنسبة إلى أشجان الهمص، «البرّانية» ليس مجرد مشروع سينمائي تدور أحداثه في مصر، وإنما عمل يرتبط بصورة مباشرة بجذورها العائلية.
استوحت المخرجة جزءًا كبيرًا من فكرة الفيلم من عودتها إلى قرية عائلتها في محافظة المنوفية، حيث عاشت تجربة مختلفة عن الحياة التي عرفتها في هولندا، ولاحظت طبيعة العلاقات بين أفراد العائلة، خصوصًا بين النساء والأجيال المختلفة.
وكانت هذه التجربة نقطة انطلاق لبناء عالم الفيلم.
🌿 الدفء الموجود بين أفراد العائلة، والذاكرة المرتبطة بالمكان، والاختلاف بين نظرة الأجيال إلى الحياة، كلها تحولت إلى عناصر درامية داخل «البرّانية».
ولهذا يبدو الفيلم قريبًا من التجربة الشخصية للمخرجة، رغم أنه لا يقدم سيرتها الذاتية بشكل مباشر.
🎭 ريم عامر.. الوجه المحترف وسط عائلة حقيقية
من أبرز الاختيارات الفنية في الفيلم استعانة أشجان الهمص بعدد من أفراد عائلتها المصرية للمشاركة في التمثيل إلى جانب الفنانة ريم عامر.
وتعد ريم عامر الممثلة المحترفة الوحيدة ضمن هذا التكوين الأساسي، وهو ما جعل وجودها نقطة ارتكاز درامية مهمة.
🎬 أما أفراد العائلة غير المحترفين، فقد أضافوا إلى الفيلم قدرًا كبيرًا من العفوية والطبيعية، خصوصًا أن الشخصيات تبدو وكأنها تنتمي فعلًا إلى البيئة التي تجري فيها الأحداث.
ولم يكن الوصول إلى هذه النتيجة عشوائيًا، إذ خضع المشاركون لفترة طويلة من التدريبات والبروفات امتدت لشهور.
وكان الهدف هو التخلص من الإحساس التقليدي بالأداء التمثيلي، والوصول إلى تفاعل أكثر تلقائية أمام الكاميرا.
وبهذا الأسلوب، يجمع «البرّانية» بين الواقعية القريبة من الفيلم الوثائقي وبين البناء الدرامي للفيلم الروائي.
🎥 الصورة والصوت.. الريف المصري بعين مختلفة
على المستوى البصري، يبتعد الفيلم عن الصورة السياحية أو النمطية للريف المصري.
ويتولى مدير التصوير دووي هينينك NSC بناء العالم البصري للعمل من خلال حركة كاميرا هادئة ومدروسة.
📸 وتظهر المساحات الواسعة للريف في مواجهة المساحات الداخلية الضيقة للمنازل، وهو تضاد بصري يخدم الحالة النفسية للشخصيات.
فالطبيعة تبدو مفتوحة وواسعة، بينما قد يشعر الإنسان داخل المكان نفسه بالضيق بسبب القيود الاجتماعية أو غياب الفرص.
أما تصميم الصوت الذي تولاه تاكو درايفهاوت، فيركز على التفاصيل المحيطة بالحياة الريفية، بما يمنح المشاهد إحساسًا بأنه موجود داخل المكان وليس مجرد متفرج عليه.
ويعمل المونتير ديتر ديبينديل على بناء إيقاع هادئ يتناسب مع طبيعة الحكاية، مع زيادة التوتر النفسي تدريجيًا كلما اقتربت الشخصيات من لحظة اتخاذ القرار.
🎵 كما تشارك لورا بيل في الجانب الموسيقي، لتكتمل العناصر السمعية والبصرية التي تشكل هوية الفيلم.
🌍 إنتاج مصري بأبعاد دولية
«البرّانية» إنتاج مشترك يجمع بين هولندا ومصر وبلجيكا، وهو ما يعكس طبيعة المشروع الذي يحمل جذورًا مصرية واضحة، لكنه صُمم منذ البداية ليخاطب جمهورًا دوليًا.
يقود الإنتاج فرانك هوفه من شركة BALDR Film الهولندية، بالتعاون مع قسمت السيد من شركة Seera Films في مصر، ويوريديس غيسيل من شركة CZAR Film في بلجيكا.
أما السيناريو، فكتبه كل من أشجان الهمص ورولوف-يان مينيبور.
وحصل المشروع على دعم من مجموعة من المؤسسات والبرامج السينمائية، من بينها صندوق الأفلام الهولندي، CoBO، Belgian Tax Shelter، BNP Paribas Fortis Film Finance، Creative Europe MEDIA، صندوق البحر الأحمر، وهيئة KRO-NCRV.
وتتولى MAD World المبيعات العالمية للفيلم.
🎞️ ويعكس هذا النموذج الإنتاجي قدرة الفيلم على الجمع بين التمويل والخبرة الأوروبية من ناحية، والهوية المصرية والموضوع المحلي من ناحية أخرى.
🎬 أشجان الهمص.. من الكتابة إلى الفيلم الروائي الطويل
تمثل «البرّانية» خطوة جديدة في مسيرة أشجان الهمص، التي درست في أكاديمية السينما الهولندية، وبدأت مسيرتها من خلال الكتابة وصناعة الأفلام القصيرة.
وكتبت خلال دراستها عددًا من المشاريع، قبل أن تتخرج عام 2017 بفيلم AIMÉE.
كما عملت في مجال كتابة السيناريو ضمن النسخة الهولندية من مسلسل SKAM NL، بالتوازي مع تطوير رؤيتها الإخراجية.
🎥 ومع انتقالها إلى الفيلم الروائي الطويل، تحافظ الهمص على اهتمامها بالشخصيات الإنسانية والعلاقات الحميمة والمساحات الاجتماعية التي تبدو صغيرة، لكنها تخفي وراءها صراعات كبيرة.
وهذا ما يجعل «البرّانية» أكثر من مجرد فيلم عن قرية أو عائلة؛ فهو محاولة لالتقاط لحظة تتغير فيها حياة الإنسان عندما يصبح المستقبل مفتوحًا أمام أكثر من احتمال.
⭐ من فينيسيا إلى شيكاغو
بعد العرض العالمي الأول في مهرجان البندقية، تأتي مشاركة «البرّانية» في مهرجان شيكاغو السينمائي الدولي باعتبارها محطة جديدة في مسيرته الدولية.
ويمنح العرض الأول في أمريكا الشمالية الفيلم فرصة للوصول إلى جمهور جديد، كما يتيح للمخرجة أشجان الهمص تقديم تجربتها الطويلة الأولى أمام جمهور ومختصين في السينما العالمية.
🇪🇬 والأهم أن الفيلم يحمل معه حكاية مصرية شديدة الخصوصية، لكنه يطرح أسئلة يمكن أن يفهمها المشاهد في أي مكان: ماذا يعني أن تنتمي إلى مكان؟ ومتى يتحول الاستقرار إلى قيد؟ وهل يمكن للإنسان أن يختار مستقبله دون أن يفقد جزءًا من ماضيه؟
✨ وبين الريف والمدينة، وبين الأرض والحلم، وبين العائلة والاستقلال، يبني «البرّانية» عالمه الخاص، ليضع تجربة مصرية محلية داخل مساحة سينمائية قادرة على التواصل مع جمهور عالمي

