المواجهة الجنائية للإرهاب الرقمي: نطاقه وإمكانيات مواجهته في ظل صعوبة الملاحقة والإثبات
لم تعد ظاهرة الإرهاب قاصرة على صورتها التقليدية التي ارتبطت لسنوات طويلة بأعمال القتل والتخريب والتفجير والخطف وترويع الآمنين في الميادين والشوارع، وإنما تطورت بتطور وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات وتمدد شبكات الإنترنت الدولية. لقد أفرز هذا التحول التكنولوجي ما بات يُعرف في الفقه الجنائي المعاصر بـ "الإرهاب الرقمي" أو "الإرهاب السيبراني" (Cyber-Terrorism)، والذي استغل فضاء المعلومات غير المرئي كمسرح بديل وأداة استراتيجية لتنفيذ مخططات إجرامية بالغة الخطورة، تستهدف تقويض الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي للدول دون إراقة قطرة دماء واحدة في مسرح الجريمة الفيزيائي.
يوضح المستشار الدكتور عمرو السلت، محامي النقض والإدارية العليا والمتخصص في القانون الجنائي ومكافحة الجرائم المعلوماتية، أن خطورة الإرهاب الرقمي تنبع من قدرته على تجاوز الحدود الجغرافية، وسرعة تنفيذه، وانخفاض كلفته التشغيلية مقارنة بالإرهاب المادي، في مقابل ما يفرضه من تحديات قانونية وإجرائية غير مسبوقة تتعلق بآليات التتبع، وصعوبة تحديد الهوية الرقمية للمرتكب، وضوابط الإثبات الجنائي الرقمي المقبول أمام محاكم الجنايات ومحكمة النقض.
أولاً: المفهوم القانوني للإرهاب الرقمي ونطاقه العملي
يُعرّف الإرهاب الرقمي بأنه: "كل اعتداء متعمد أو تهديد غير مشروع باستخدام وسائل تقنية المعلومات أو الشبكات المعلوماتية ضد البنية التحتية المعلوماتية، أو أنظمة التحكم الحيوية، أو المواقع الإلكترونية بهدف ترويع المواطنين، أو إشاعة الفوضى، أو إجبار الدولة وسلطاتها على اتخاذ قرار معين أو الامتناع عنه، أو الإضرار بالنظام العام والأمن القومي".
ويتسع النطاق العملي لهذه الجريمة ليشمل أشكالاً متعددة، أبرزها:
- استهداف البنية التحتية الحرجة (Critical Infrastructure Attacks): شن هجمات سيبرانية لتعطيل شبكات الكهرباء، محطات المياه، أنظمة الملاحة الجوية والبحرية، أو القطاع المصرفي عبر برمجيات الفدية وبرامج التخريب الخبيثة.
- التجنيد ونشر الفكر المتطرف (Online Radicalization): توظيف وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات المشفرة لاستقطاب عناصر جديدة، وبث المقاطع المرئية والمحتويات التي تروج للعنف.
- التمويل الرقمي غير المشروع (Cyber Financing): جمع التبرعات وتحويل الأموال لصالح التنظيمات الإرهابية باستخدام العملات المشفرة والأصول الافتراضية للهروب من رقابة القطاع المصرفي.
- الحروب النفسية وإشاعة الأخبار الكاذبة: فبركة وتزييف الحقائق والبيانات الرسمية باستخدام تقنيات التزييف العميق (Deepfake) لزعزعة الثقة في مؤسسات الدولة وإثارة الهلع المجتمعي.
ثانياً: البنيان التشريعي للمواجهة في القانون المصري
واكب المشرع المصري هذا الخطر المستحدث عبر منظومة تشريعية رادعة تجمع بين التجريم الموضوعي والإجراءات الفنية المشددة:
- قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015: نص في المادة (29) على معاقبة كل من أنشأ أو استخدم موقعاً على شبكات الاتصالات أو الإنترنت بغرض الترويج للأفكار الإرهابية، أو تبادل الرسائل، أو توجيه التعليمات بين أفراد الجماعات الإرهابية، بالسجن المشدد مدة لا تقل عن 5 سنوات، وتصل العقوبة إلى السجن المؤبد إذا كان الغرض تسهيل ارتكاب جريمة إرهابية.
- قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018: أورد عقوبات مغلظة في مواده (14 إلى 22) بشأن الاعتداء على سلامة شبكات الأنظمة المعلوماتية للدولة، أو اختراق الحسابات الرسمية، أو تعطيل خوادم البيانات الحيوية، وأجاز في المادة (7) لجهات التحقيق إصدار قرارات بحجب المواقع الإلكترونية التي تبث محتوى إرهابياً يهدد الأمن القومي.
- قانون العقوبات وقانون البنك المركزي: تشديد العقوبات الخاصة بتمويل الإرهاب الإلكتروني وتبييض الأموال الرقمية عبر المنصات غير المرخصة.
ثالثاً: مقارنة قانونية بين الإرهاب التقليدي والإرهاب الرقمي
رابعاً: صعوبات الملاحقة الجنائية والتحقيق الرقمي
يصطدم رجال التحقيق والنيابة العامة وأجهزة إنفاذ القانون بجملة من المعضلات التقنية والقانونية التي تجعل ملاحقة مرتكبي الإرهاب الرقمي تحدياً معقداً، من أهمها:
- مشكلة الإسناد ونسبة الفعل (The Attribution Problem): لا يكفي ضبط جهاز حاسوب أو عنوان بروتوكول إنترنت (IP Address) لإثبات ارتكاب الجريمة، إذ كثيراً ما يعمد الإرهابيون إلى استخدام شبكات وسيطة (Proxy Servers)، شبكات (TOR) المظلمة، أو السيطرة على أجهزة ضحايا أبرياء (Zombie Computers / Botnets) وتوجيه الهجمات من خلالها، مما يجعل إسناد الفعل لشخص معين أمراً شائكاً يتطلب دليلاً يقينياً لا يقبل الشك.
- التشفير فائق التعقيد (End-to-End Encryption): استخدام تطبيقات مراسلة تعتمد على تشفير فوري لا تحتفظ خوادمها بالمفاتيح، مما يعيق جهود اعتراض المراسلات المأذون بها قانوناً.
- سرعة التلاشي والمحو الفوري للبيانات (Volatile Evidence): البيانات المخزنة في الذاكرة المؤقتة (RAM) أو السجلات اللحظية يمكن محوها فور إغلاق الجهاز أو بمجرد إدخال كلمة سر خاطئة مبرمجة لمسح البيانات تلقائياً.
- تنازع الاختصاص القضائي وغياب المعاهدات الملزمة: وجود خوادم البرمجيات الإرهابية في دول ترفض التعاون القضائي أو لا تجرّم الفعل بذات الوصف، مما يُعطل الإنابات القضائية وتسليم المتهمين.
خامساً: ضوابط الإثبات الجنائي الرقمي وحجية الدليل أمام محكمة النقض
يؤكد المستشار د. عمرو السلت أن القضاء الجنائي المصري، وعلى رأسه محكمة النقض، قد أرست قواعد بالغة الأهمية لضمان عدم إهدار ضمانات المتهم الدستورية عند التعامل مع الأدلة الرقمية في القضايا الإرهابية والمعلوماتية:
- مشروعية إجراءات التحريز والضبط الرقمي: يُشترط صدور إذن قضائي مسبق ومسبب من النيابة العامة أو القاضي الجزئي المختص لتفتيش الأجهزة والهواتف وسحب البيانات، وبطلان كل إجراء أو دليل تولد عن تفتيش باطل أو اختراق دون إذن قضائي.
- سلامة سلسلة الحيازة الرقمية (Digital Chain of Custody): يجب توثيق خط سير الحرز الرقمي منذ لحظة تحريزه، واستخدام حقائب عازلة للموجات (Faraday Bags) لمنع مسحه عن بعد، مع إثبات بصمة التجزئة الإلكترونية (Hash Value) للجهاز قبل وبعد الفحص لضمان عدم التلاعب بمحتواه أو زرع ملفات مفبركة.
- حتمية التقرير الفني المكتمل وتفنيد الدفوع: لا يجوز للمحكمة أن تبني إدانتها على مجرد تحريات مرسلة أو محضر ضبط مجرد دون فحص فني تفصيلي صادر من خبير معتمد في الأدلة الرقمية بوزارة الداخلية أو قطاع الأمن الوطني يقطع بيقين نسبة الحساب ومحتواه إلى المتهم تحديداً.
احجز استشارتك القانونية في قضايا الجرائم المعلوماتية والإرهاب الرقمي والطعن بالنقض
يقدم المستشار الدكتور عمرو السلت وفريق عمل مكتب قادر للاستشارات القانونية تمثيلاً قضائياً رصيناً أمام محاكم الجنايات ومحكمة النقض في الجرائم الرقمية المعقدة، بالاعتماد على الفهم التشريعي المعمق والخبرة الفنية والأكاديمية في مناقشة وتفنيد الأدلة الإلكترونية.
📍 المقرات ونطاق الخدمة: بني سويف والقاهرة | 🕒 مواعيد العمل: يومياً من 6:00 مساءً (الخميس حتى 12:00)
🌐 الصفحة الرسمية على مصر كونكت: misrconnect.com/profiles/4091


