🎼 رياض السنباطي.. رحلة بدأت من دمياط وانتهت إلى الخلود
تحل ذكرى رحيل الموسيقار الكبير رياض السنباطي، أحد أبرز أعمدة الموسيقى العربية في القرن العشرين، وصاحب واحد من أهم الألحان الخالدة في تاريخ الغناء العربي. ارتبط اسم السنباطي بشكل وثيق بكوكب الشرق أم كلثوم، ليشكلا معًا ثنائيًا فنيًا قدم مجموعة من الأعمال التي لا تزال حاضرة في وجدان الجمهور حتى اليوم.
وُلد رياض السنباطي في 30 نوفمبر 1906 بمحافظة دمياط، ونشأ بمدينة فارسكور. وفي طفولته أُصيب بمرض في عينيه، وكان لذلك أثر في اتجاهه نحو الموسيقى، بعدما حرص والده على تعليمه أصول التواشيح والغناء.
وفي تلك المرحلة، تعرّف السنباطي على صانع للعود أصبح بمثابة أستاذه الأول، وتمكن من إتقان العزف على العود حتى أصبح جزءًا أساسيًا من هويته الفنية، وهو ما انعكس لاحقًا في أعماله، ومن بينها أغنيته الشهيرة التي ارتبطت بالعود.
🚂 اللقاء الأول بين رياض السنباطي وأم كلثوم
في أواخر عشرينيات القرن الماضي، جمع لقاء مبكر بين رياض السنباطي وأم كلثوم عند محطة قطار «درين» التابعة لمركز نبروه، وكان كلاهما وقتها في بداية مشواره الفني.
لكن هذا اللقاء لم يكن مجرد محطة عابرة في حياة الفنانين، إذ تحولت العلاقة لاحقًا إلى واحدة من أشهر الشراكات الفنية في تاريخ الموسيقى العربية. فقد تعاون السنباطي مع أم كلثوم على مدار سنوات طويلة، وقدم لها أكثر من 90 لحنًا تنوعت بين القصائد والأغاني الوطنية والعاطفية والدينية.
وقبل انتقاله إلى القاهرة، كان السنباطي قد حقق شهرة واسعة في المنصورة، حتى أطلق عليه الجمهور لقب «بلبل المنصورة»، قبل أن يبدأ مرحلة جديدة من مسيرته الفنية في العاصمة.
🎓 من طالب في معهد الموسيقى إلى أستاذ في اليوم نفسه
اتجه رياض السنباطي إلى القاهرة للالتحاق بمعهد الموسيقى العربية، وهناك كشفت موهبته الاستثنائية عن نفسها سريعًا. وأمام لجنة موسيقية ترأسها مصطفى بك رضا، أثبت السنباطي تمكنه الكبير من العزف على العود، ليصدر قرار بتعيينه أستاذًا في المعهد في اليوم نفسه الذي حضر فيه طالبًا.
وكان هذا الموقف أحد المؤشرات المبكرة على المكانة الموسيقية التي كان السنباطي يتمتع بها، قبل أن تتسع دائرة نجاحه ويصبح واحدًا من أهم الملحنين في مصر والعالم العربي.
📻 رياض السنباطي والإذاعة المصرية
مع انطلاق الإذاعة المصرية عام 1934، أصبح رياض السنباطي واحدًا من أعمدتها الفنية إلى جانب أسماء كبيرة مثل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب.
وفي تلك الفترة، خصص له مدحت عاصم فقرة للعزف المنفرد على العود، وهو ما أتاح للجمهور فرصة التعرف بصورة أكبر على قدراته الموسيقية وأسلوبه الخاص في التعامل مع الآلة.
وبعد ذلك بعام، لحن السنباطي للمطرب عبده السروجي أغنية «على بلد المحبوب وديني»، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة في علاقته الفنية بأم كلثوم، ويصبح واحدًا من أهم الملحنين المرتبطين بصوتها على مدار نحو أربعة عقود.
🌟 أم كلثوم تطلق على السنباطي لقب «عملاق النغم»
كانت العلاقة الفنية بين رياض السنباطي وأم كلثوم استثنائية بكل المقاييس، إذ كان من أكثر الملحنين الذين تعاونت معهم، ورأت فيه موسيقيًا قادرًا على تحويل معاني الكلمات ومشاعرها إلى ألحان تحمل طابعًا خاصًا.
ومن هنا ارتبط اسم السنباطي بلقب «عملاق النغم»، بعدما أصبح أسلوبه علامة مميزة في تلحين القصيدة العربية، إلى جانب قدرته على تقديم الألحان العاطفية والوطنية والدينية.
ومن أشهر ما غنته أم كلثوم من ألحانه القصائد الدينية، ومنها «نهج البردة»، «رباعيات الخيام»، «حديث الروح»، «إلى عرفات الله»، «سلوا قلبي»، «وُلد الهدى» و«الثلاثية المقدسة».
كما قدم لها ألحانًا وطنية بارزة، من بينها «مصر تتحدث عن نفسها» و«مصر التي في خاطري»، إلى جانب مجموعة من أشهر الأعمال العاطفية في تاريخها، مثل «الأطلال»، «أراك عصي الدمع»، «سلوا كؤوس الطلا»، «ثورة الشك»، «من أجل عينيك»، «قصة الأمس» و«وأقبل الليل».
❤️ «الأطلال».. واحدة من علامات السنباطي الفنية
يظل لحن «الأطلال» من أبرز الأعمال التي ارتبط بها اسم رياض السنباطي، لما يحمله من قدرة على ترجمة المشاعر والمعاني الشعرية إلى بناء موسيقي عميق.
ولم تتوقف ألحانه لأم كلثوم عند القصائد، فقد قدم لها عددًا كبيرًا من الأغنيات التي أصبحت جزءًا من ذاكرة الغناء العربي، ومنها «عودت عيني»، «حيرت قلبي»، «سهران لوحدي»، «يا ظالمني»، «دليلي احتار»، «هجرتك»، «شمس الأصيل»، «الحب كده» و«القلب يعشق كل جميل».
🎤 ألحان السنباطي لم تقتصر على أم كلثوم
وعلى الرغم من الشهرة الكبيرة التي حققها رياض السنباطي من خلال أعماله مع أم كلثوم، فإن مسيرته الفنية كانت أوسع بكثير، إذ تعاون مع عدد كبير من نجوم زمن الفن الجميل.
فلحن لـليلى مراد «يا حبيب الروح» و«يا رايحين للنبي الغالي»، كما تعاون مع عبد الحليم حافظ وشادية في «لحن الوفاء»، وقدم لـوردة «يا حبيبي لا تقل ضاع حبي».
كما لحن لـنجاح سلام «عايز جواباتك»، ولـشهرزاد «حكاية المنديل» و«يا نسيني»، ولـمحمد عبد المطلب «شفت حبيبي»، ولـنجاة الصغيرة «إلهي ما أعظمك»، ولـسعاد محمد «انتظار»، ولـميادة الحناوي «أشواق» و«ساعة زمن»، ولـعزيزة جلال «والتقينا»، إلى جانب أعمال أخرى كثيرة.
🏆 أكثر من 530 عملًا وجائزة اليونسكو
ترك رياض السنباطي وراءه رصيدًا فنيًا ضخمًا تجاوز 530 عملًا، تنوعت بين الأغاني والأعمال الدينية والسينمائية والأوبرالية وغيرها.
ومن أبرز محطات تكريمه حصوله عام 1977 على جائزة اليونسكو العالمية، باعتباره الموسيقي المصري الوحيد الذي نال هذه الجائزة، وفق ما ورد في النص المتداول عن مسيرته. وفي العام نفسه، منحته أكاديمية الفنون الدكتوراه الفخرية في الموسيقى، تقديرًا لما قدمه من إسهامات بارزة في الموسيقى العربية.
🕊️ ذكرى رحيل رياض السنباطي
في 10 سبتمبر 1981، رحل رياض السنباطي عن عالمنا، لكن رحيله لم يكن نهاية حضوره الفني. فقد بقيت ألحانه حاضرة في ذاكرة الأجيال، وظلت أعماله مع أم كلثوم وغيرها من كبار المطربين شاهدة على مرحلة ذهبية من تاريخ الموسيقى العربية.
وبين العود والقصيدة والأغنية، صنع رياض السنباطي لنفسه مكانة يصعب تكرارها، ليظل اسمه مرتبطًا بجمال اللحن العربي، وتبقى موسيقاه حاضرة كلما عاد الجمهور إلى زمن الطرب الأصيل.
ما العمل الأقرب إلى قلبك من ألحان رياض السنباطي؟ وهل ترى أن «الأطلال» هي أبرز أعماله؟ شاركنا رأيك في التعليقات.



