🎭 مهرجان القاهرة التجريبي يرد الجميل ليوسف عايدابي
في واحدة من أبرز الفعاليات الفكرية المصاحبة للدورة الـ33 من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، اجتمع عدد من المسرحيين والمثقفين للاحتفاء بالدكتور يوسف عايدابي، في ندوة حملت عنوان «رد الجميل»، تقديرًا لمسيرة امتدت عبر ساحات المسرح والنقد والبحث الأكاديمي والعمل الثقافي.
الاحتفاء لم يكن مجرد تكريم لشخصية مسرحية بارزة، بل بدا وكأنه محاولة لاستعادة تجربة ثقافية كاملة، تركت أثرًا في المسرح السوداني والعربي، وانتقلت أفكارها وتجاربها بين السودان ومصر والإمارات، وصولًا إلى مؤسسات ثقافية عربية كان لعايدابي حضور واضح فيها.
وأدار الندوة السفير والفنان علي المهدي، بمشاركة الدكتور عادل حربي، والدكتور شمس الدين يونس، والفنان والمخرج حاتم محمد علي، إلى جانب شهادات تناولت الجوانب الإنسانية والأكاديمية والمهنية في شخصية عايدابي.
🇸🇩 علي المهدي: عايدابي أحد مؤسسي الحركة الفنية العربية
استهل علي المهدي الجلسة بالتأكيد على قيمة الاحتفاء داخل القاهرة، التي وصفها بأنها مدينة عزيزة ومحبوبة، مشيرًا إلى أهمية رد الجميل لمن ساهموا في بناء الحركة الفنية والثقافية العربية.
وأكد أن يوسف عايدابي لم يكن مجرد باحث أو مسرحي، وإنما صاحب رؤية ساعدت على توسيع الاهتمام بفنون الأداء، وفتح مساحات جديدة أمام التجريب والتفكير في علاقة المسرح بالمجتمع.
ومن هنا جاء اختيار عنوان «رد الجميل»، باعتباره تعبيرًا عن تقدير مستحق لمسيرة رجل جمع بين الفكر والإبداع والتعليم والعمل الثقافي. 🎭
🌿 عادل حربي: التراث السوداني تحول إلى مشروع إبداعي
من جانبه، تحدث الدكتور عادل حربي عن التجربة الفكرية الواسعة ليوسف عايدابي، مؤكدًا أنها تجاوزت حدود الشعر والنقد والمسرح إلى مشروع ثقافي أكثر شمولًا.
وعُرف عايدابي بتعدد اهتماماته بين الشعر والفكر والنقد والبحث المسرحي والسينمائي، إلى جانب توليه مسؤوليات أكاديمية وثقافية، من بينها العمل في مؤسسات مرتبطة بالموسيقى والدراما والفلكلور والتراث الثقافي.
ويرى حربي أن إحدى أهم ملامح تجربة عايدابي تتمثل في قدرته على قراءة التنوع الثقافي السوداني باعتباره مصدر قوة، وليس عامل انقسام؛ فالتعدد بالنسبة إليه كان مساحة لبناء الحوار والتعايش وتعزيز العدالة والاستقرار.
🌳 «الغابة والصحراء».. البحث عن هوية سودانية خاصة
ارتبط اسم يوسف عايدابي كذلك بالاهتمام بالفكر المرتبط بتيار «الغابة والصحراء»، الذي حاول التعبير عن خصوصية الهوية السودانية من خلال التفاعل بين مكوناتها العربية والأفريقية.
هذه الرؤية لم تكن بالنسبة إلى عايدابي مجرد قضية نظرية، بل امتدت إلى طريقته في التعامل مع المسرح والتراث والفنون الشعبية.
فبدلًا من النظر إلى التراث باعتباره مادة قديمة منفصلة عن الحاضر، تعامل معه باعتباره مصدرًا قابلًا لإعادة التشكيل وإنتاج أفكار فنية جديدة.
ومن هنا جاء اهتمامه بالأسطورة والطقوس الشعبية والشعر والغناء والحركة والصوت والجسد، وهي عناصر ساعدت في بناء تصور أكثر انفتاحًا للمسرح التجريبي. ✨
🎭 المسرح عند عايدابي.. التجريب يتجاوز القوالب التقليدية
لم يكن التجريب بالنسبة إلى يوسف عايدابي مجرد تغيير في الشكل المسرحي، وإنما وسيلة لإعادة التفكير في وظيفة المسرح نفسه.
فالمسرح، وفق الرؤية التي عُرضت خلال الندوة، يجب أن يكون قادرًا على استيعاب المجتمع وذاكرته وتنوعه، وأن يفتح المجال أمام المبدع لاكتشاف أشكال جديدة للتعبير.
ولهذا اهتم عايدابي بإعادة الكتابة والتركيب، ودمج عناصر متعددة داخل العرض المسرحي، مع الاستفادة من الموروث الشعبي والطقوس والموسيقى والأداء الجسدي.
🎓 شمس الدين يونس: الأكاديمية كانت مشروعًا معرفيًا
أما الدكتور شمس الدين يونس، فتوقف أمام الجانب الأكاديمي في مسيرة يوسف عايدابي، مؤكدًا أن عمله في المؤسسات التعليمية لم يكن مجرد مسؤولية إدارية.
وتولى عايدابي عددًا من المواقع الأكاديمية، بدأها برئاسة قسم المسرح، ثم نائبًا للعميد، وصولًا إلى عمادة المعهد، مع سعي مستمر إلى تطوير التعليم المسرحي وربطه بالبيئة الثقافية السودانية.
وكان من أبرز توجهاته إعادة النظر في المناهج التعليمية، بحيث تستفيد من تاريخ المسرح السوداني وتراثه، وفي الوقت نفسه تظل منفتحة على أحدث الاتجاهات في التمثيل والإخراج والسينوغرافيا.
كما اهتم بإدخال مجالات معرفية مساعدة مثل الفلسفة وعلم الجمال وتاريخ المسرح، بما يوسع تكوين الطالب ويجعله قادرًا على فهم الفن في سياقه الثقافي والفكري.
📚 كسر الحاجز بين الأكاديمي والفنان الشعبي
ومن الأفكار التي ارتبطت بتجربة عايدابي رفض الفصل الحاد بين المعرفة الأكاديمية والخبرة الشعبية.
فالفنان الشعبي، في رؤيته، يمتلك معرفة متراكمة من التجربة والممارسة، ويمكن أن يكون شريكًا حقيقيًا في العملية التعليمية والبحثية.
ومن هنا جاء اهتمامه بالتوثيق والأرشفة، ليس فقط لحفظ الأحداث، ولكن لحماية ذاكرة المسرح السوداني من التهميش والنسيان.
وقد أصبح الكتاب والبحث والتوثيق بالنسبة إليه وسيلة لربط الأجيال الجديدة بتاريخها المسرحي، وإتاحة المعرفة للباحثين والمبدعين. 📖
🏛️ أكثر من 40 إصدارًا وتوثيق لذاكرة المسرح السوداني
وتحدث الفنان والمخرج حاتم محمد علي عن الدور الذي لعبه مركز التنمية الإعلامية منذ تأسيسه عام 2000 في دعم البحث والتوثيق المرتبط بالحياة المسرحية السودانية.
وأشار إلى أن المركز أصدر أكثر من 40 عنوانًا حول المسرح السوداني، شملت بحوثًا ودراسات ووثائق ومخطوطات، لتصبح جزءًا من المكتبة المسرحية التي يعتمد عليها الباحثون والمهتمون.
كما ارتبط اسم المركز بإطلاق جائزة الدكتور يوسف عايدابي للبحث المسرحي، بهدف تشجيع الشباب والباحثين الجدد على دراسة تاريخ المسرح السوداني والتنقيب في ذاكرته.
وفي خطوة جديدة للحفاظ على هذا التراث، أُعلن كذلك عن إطلاق موقع إلكتروني يتيح عددًا كبيرًا من الدراسات والبحوث والمخطوطات أمام القراء والباحثين.
🇦🇪 إسماعيل عبد الله: الأب والمعلم الذي احتضن مبدعي الإمارات
وحملت شهادة الكاتب المسرحي والأمين العام للهيئة العربية للمسرح إسماعيل عبد الله جانبًا إنسانيًا خاصًا، بعدما وصف يوسف عايدابي بأنه «أيقونة إنسانية».
وأكد أن تأثير عايدابي لم يتوقف عند السودان، مشيرًا إلى السنوات التي عاشها في الإمارات ودوره في الحياة الثقافية هناك.
وبدأت علاقته بالمشهد الإماراتي منذ العمل في صحيفة «الخليج» خلال ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يتحول إلى أحد الأصوات الثقافية المؤثرة في البيئة الأدبية والفنية.
ولم يكن دوره مقتصرًا على الكتابة، إذ عُرف بقدرته على اكتشاف المواهب ورعاية الأجيال الجديدة، وهو ما جعل علاقته بعدد من المبدعين تتجاوز علاقة الأستاذ بالطالب إلى علاقة الأب والمعلم والمرشد.
🇦🇪 الشارقة.. محطة مهمة في رحلة عايدابي
وتحدث يوسف عايدابي بنفسه عن علاقته بالشارقة، معتبرًا أنها كانت محطة أساسية في مسيرته، ومنحته مساحة للعمل مع مثقفين ومبدعين من مختلف أنحاء العالم العربي.
كما أشاد بالدعم الذي وجده من الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، مؤكدًا أن إتاحة الفرصة والثقة بالمثقفين كانتا من أهم عوامل نجاح المشروعات الثقافية التي شارك فيها.
وأشار إلى تجربته في الهيئة العربية للمسرح، معتبرًا أن العمل الثقافي يحتاج إلى بيئة تمنح المبدع مساحة للحركة والتجريب والإنجاز.
🇪🇬 مصر.. ذاكرة علم ومعرفة
وفي كلمته، أعرب يوسف عايدابي عن تقديره لمصر، مؤكدًا أنها كانت واحدة من أهم منابع العلم والمعرفة التي استفاد منها خلال مسيرته.
كما اعتبر الاحتفاء به احتفاءً بالسودان وثقافته وتاريخه، وليس تكريمًا فرديًا فقط.
وفي النهاية، بدت ندوة «رد الجميل» وكأنها رسالة أوسع من مجرد الاحتفال بشخصية مسرحية؛ رسالة تؤكد أن صناعة المسرح لا تقوم فقط على العروض، وإنما على المعرفة والتوثيق والتعليم ورعاية الموهبة والانفتاح على التراث والتجريب. 🎭✨
✨ مهرجان القاهرة التجريبي يواصل فعالياته
وتأتي هذه الندوة ضمن فعاليات الدورة الـ33 من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، التي تقام خلال الفترة من 1 إلى 8 سبتمبر 2026، وتشمل عروضًا مسرحية وبرنامجًا فكريًا وورشًا تدريبية وفعاليات موازية وإصدارات متخصصة في قضايا المسرح والتجريب.
وهكذا تحول تكريم يوسف عايدابي إلى مساحة للحوار حول سؤال أكبر: كيف يمكن للمسرح العربي أن يحافظ على ذاكرته، وفي الوقت نفسه يظل قادرًا على التجدد؟
وربما كانت الإجابة التي تركتها التجربة واضحة: المسرح الحقيقي لا يعيش على الماضي، لكنه يعرف كيف يأخذ من الماضي ما يساعده على صناعة المستقبل. 🎭🌿
تابعوا أحدث الأخبار والفعاليات الثقافية والفنية، وشاركونا رأيكم: هل ترون أن تكريم رواد المسرح بعد سنوات من العطاء هو أفضل وسيلة للحفاظ على ذاكرة الفن العربي؟



