غزوة تبوك.. قصة آخر غزوات النبي وأعظم مواقف العسرة

غزوة تبوك آخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، وقعت في السنة التاسعة للهجرة، وكشفت مواقف الصحابة في البذل والصبر، وأظهرت قوة المسلمين أمام الروم.

  الإثنين , 10 أغسطس 2026 / 01:38 م تاريخ التحديث: 2026-08-10 13:38:03

تُعد غزوة تبوك من أبرز أحداث السيرة النبوية، وهي آخر غزوة خرج فيها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، ووقعت في السنة التاسعة للهجرة في ظروف بالغة الصعوبة، ولذلك عُرفت أيضًا باسم غزوة العسرة.

وجاءت الغزوة في مرحلة كان فيها المسلمون قد أصبحوا قوة كبيرة في الجزيرة العربية، خاصة بعد فتح مكة وانتشار الإسلام بين القبائل، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم مواجهة التهديد القادم من جهة الروم وإظهار قوة الدولة الإسلامية.

ما سبب غزوة تبوك؟

وصلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أخبار عن استعداد الروم وحلفائهم لمواجهة المسلمين، فقرر النبي صلى الله عليه وسلم الخروج شمالًا نحو تبوك.

وكانت هذه المرة مختلفة عن كثير من الغزوات السابقة؛ فقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم وجهة الجيش بوضوح، بسبب طول الطريق وقوة العدو والظروف الصعبة التي كان يتوقع أن يواجهها المسلمون.

كما حث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على الإنفاق وتجهيز الجيش، وقال: «من جهز جيش العسرة فله الجنة».

لماذا سميت غزوة تبوك بغزوة العسرة؟

سميت الغزوة بـغزوة العسرة بسبب ما رافقها من مشقة شديدة، فقد اجتمعت فيها حرارة الجو، وبعد المسافة، وقلة المياه، ونقص الدواب والطعام، إلى جانب الفقر وضيق الحال الذي كان يعيشه كثير من المسلمين.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الظروف في قوله تعالى:

﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: 117].

أما اسم تبوك، فنُسب إلى عين تبوك التي وصل إليها المسلمون في طريقهم نحو الشمال.

كيف استعد المسلمون لغزوة تبوك؟

استجاب الصحابة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم للإنفاق وتجهيز الجيش، وقدموا صورًا عظيمة من التضحية والبذل.

عثمان بن عفان وتجهيز جيش العسرة

كان عثمان بن عفان رضي الله عنه من أبرز من أنفقوا في تجهيز الجيش، فقد قدم مالًا ودوابًا وعدة للجيش.

وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على صنيعه بقوله:

«ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم».

أبو بكر وعمر في الإنفاق

جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنصف ماله، بينما جاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه بكل ما يملك.

ولما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر عما أبقى لأهله، أجاب بأنه أبقى لهم الله ورسوله.

فقال عمر رضي الله عنه: «والله لا أسابقك إلى شيء أبدًا».

مشاركة الفقراء

لم يكن الإنفاق مقتصرًا على الأغنياء، بل شارك فقراء المسلمين بما استطاعوا، حتى إن بعضهم جاء بصاع من التمر أو بأقل من ذلك.

وكانت قيمة هذه الصدقات في صدق أصحابها وإخلاصهم، وليس في مقدارها.

موقف المنافقين من غزوة تبوك

استغل المنافقون صعوبة الظروف لمحاولة تثبيط المسلمين عن الخروج، فمرة يخوفون الناس من مواجهة الروم، ومرة يدعونهم إلى البقاء بسبب شدة الحر وطيب الثمار.

كما حاولوا بناء مسجد في المدينة ليكون مكانًا لاجتماعهم والتآمر، وهو ما عُرف في القرآن باسم مسجد الضرار.

وكشف القرآن حقيقة المنافقين ومواقفهم، ومن ذلك قوله تعالى:

﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: 79].

عدد جيش المسلمين في غزوة تبوك

خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم جيش كبير قُدّر بنحو ثلاثين ألف مقاتل من المهاجرين والأنصار وغيرهم من أبناء القبائل العربية.

وكان من أبرز الصحابة المشاركين في تجهيز الجيش وقيادته أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وغيرهما.

كما استخلف النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه على أهله في المدينة.

ولما حزن علي رضي الله عنه لأنه لن يخرج مع الجيش، قال له النبي صلى الله عليه وسلم:

«أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي».

الفقراء الذين لم يجدوا ما يحملهم

جاء عدد من فقراء المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون أن يحملهم إلى أرض الجهاد، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجد ما يحملهم عليه.

فعادوا وهم يبكون حزنًا على فوات شرف الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد خلد القرآن موقفهم في قوله تعالى:

﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: 92].

وأثبت النبي صلى الله عليه وسلم أن أصحاب الأعذار الصادقين ينالون الأجر، فقال:

«إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم؛ حبسهم العذر».

رحلة المسلمين إلى تبوك

تحرك الجيش الإسلامي باتجاه الشمال، وكانت الرحلة شاقة بسبب الحرارة الشديدة ونقص المياه وقلة الدواب.

وكان بعض الرجال يتناوبون ركوب الدابة الواحدة، واضطر المسلمون في بعض الأوقات إلى تحمل مشقة شديدة في الحصول على الطعام والماء.

وخلال الطريق مر المسلمون بديار ثمود، فوجه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى عدم دخول مساكن القوم الذين ظلموا أنفسهم إلا وهم باكون، خشية أن يصيبهم ما أصابهم.

قصة أبي ذر الغفاري في غزوة تبوك

تأخر أبو ذر الغفاري رضي الله عنه عن الجيش، وحاول البحث عن راحلة تلحقه بالمسلمين، لكنه لم يجد إلا دابة ضعيفة.

ولما خشي أن يفوته الجيش، حمل متاعه على ظهره ومشى على قدميه حتى أدرك المسلمين.

ولما رأى الصحابة شخصًا يمشي في الطريق، قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«كن أبا ذر».

فلما اقترب الرجل عرفوا أنه أبو ذر رضي الله عنه.

معجزة نزول المطر

اشتد العطش بالمسلمين في الطريق، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا الله تعالى.

فنزل المطر، وشرب المسلمون وارتووا، وكانت هذه الحادثة من صور التثبيت والرحمة في تلك الرحلة الشاقة.

قصة أبي خيثمة والعودة إلى الجيش

كان أبو خيثمة الأنصاري رضي الله عنه ممن تأخروا عن الجيش في بداية الأمر.

وفي أحد الأيام عاد إلى منزله، فرأى ما أعدته زوجتاه له من الظل والماء والراحة، فتذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم يتحملون الحر والمشقة.

فشعر بالتقصير، وحمل سلاحه وركب دابته حتى أدرك الجيش في تبوك، ثم اعتذر للنبي صلى الله عليه وسلم، فقبل عذره.

ماذا حدث عند الوصول إلى تبوك؟

عندما وصل المسلمون إلى تبوك، لم يجدوا جيش الروم الذي كانت الأخبار تتحدث عن استعداده لمواجهتهم.

ومع ذلك، حقق وصول المسلمين إلى تلك المنطقة هدفًا مهمًا، إذ أظهر قوة الدولة الإسلامية وقدرتها على الوصول إلى الحدود الشمالية للجزيرة العربية.

وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم سرية بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى دومة الجندل، وتمكن المسلمون من أسر أكيدر بن عبد الملك، ثم صالحه النبي صلى الله عليه وسلم وأطلق سراحه.

وفود القبائل إلى النبي في تبوك

مكث النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك مدة، واستقبل وفودًا من المناطق والقبائل التي جاءت للمصالحة وإبرام الاتفاقات ودفع الجزية.

ومن تلك الوفود وفد ملك أيلة، الذي قدم للنبي صلى الله عليه وسلم هدية، وقبلها النبي صلى الله عليه وسلم.

وكانت هذه الوفود مؤشرًا على اتساع نفوذ الدولة الإسلامية وترسخ مكانتها في الجزيرة العربية وما حولها.

العودة إلى المدينة

بعد انتهاء المهمة، عاد الجيش الإسلامي إلى المدينة.

وعند اقتراب النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة، خرج الناس لاستقباله، وكان من بينهم النساء والأطفال.

ثم توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى مسجده وصلى ركعتين، وجلس مع الناس.

أما المنافقون الذين تخلفوا عن الغزوة، فجاء عدد منهم يعتذرون بأعذار مختلفة، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم ما أظهروه وترك سرائرهم إلى الله.

الثلاثة الذين خُلّفوا

كان من أبرز أحداث ما بعد غزوة تبوك موقف ثلاثة من الصحابة الصادقين الذين تخلفوا عن الغزوة دون عذر، وهم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية رضي الله عنهم.

لم يكذب هؤلاء على النبي صلى الله عليه وسلم، بل اعترفوا بتقصيرهم، فكان جزاؤهم أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بهجرهم فترة من الزمن.

ثم تاب الله عليهم، ونزل القرآن الكريم بقبول توبتهم.

قال تعالى:

﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: 118].

أهم نتائج غزوة تبوك

إظهار قوة المسلمين

أثبتت غزوة تبوك أن المسلمين أصبحوا قوة مؤثرة في المنطقة، وقادرين على التحرك لمسافات بعيدة لمواجهة أكبر القوى في ذلك العصر.

توطيد مكانة الدولة الإسلامية

ساعدت الغزوة على تعزيز مكانة الدولة الإسلامية في الجزيرة العربية، وأدت إلى عقد اتفاقات مع عدد من القبائل والمناطق.

كشف المنافقين

كانت تبوك اختبارًا حقيقيًا للمؤمنين والمنافقين، فكشفت مواقف أصحاب الأعذار الكاذبة، وفي المقابل أظهرت صدق الصحابة الذين بذلوا أموالهم وتحملوا المشقة.

درس في الصدق والتوبة

جاءت قصة كعب بن مالك وصاحبيه لتؤكد قيمة الصدق، وأن الاعتراف بالخطأ والتوبة الصادقة قد تكون طريقًا إلى رحمة الله وقبول التوبة.

لماذا تعد غزوة تبوك آخر غزوات النبي؟

تُعد غزوة تبوك آخر غزوة خرج فيها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، وجاءت في أواخر حياته بعد أن أصبحت الدولة الإسلامية قوة كبيرة في الجزيرة العربية.

ولم تقع مواجهة مباشرة بين الجيش الإسلامي وجيش الروم، لكن مجرد وصول المسلمين إلى تبوك واستقبال الوفود وإبرام الاتفاقات حقق أهدافًا سياسية وعسكرية مهمة.

متى وقعت غزوة تبوك؟

وقعت غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة، وكانت آخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم.

لماذا سميت غزوة تبوك بغزوة العسرة؟

سميت غزوة العسرة بسبب شدة الظروف التي رافقتها، ومنها الحرارة الشديدة، وقلة المياه، ونقص الدواب والطعام، وبعد المسافة.

كم كان عدد المسلمين في غزوة تبوك؟

بلغ عدد جيش المسلمين نحو ثلاثين ألف مقاتل وفق ما تذكره كتب السيرة.

هل حدث قتال مباشر مع الروم في تبوك؟

لم تقع مواجهة عسكرية مباشرة مع جيش الروم، لكن وصول المسلمين إلى تبوك أظهر قوتهم وأدى إلى عدد من الاتفاقات مع القبائل والمناطق المجاورة.

من هم الثلاثة الذين خُلّفوا؟

هم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية رضي الله عنهم، وقد تاب الله عليهم بعد صدقهم واعترافهم بتخلفهم.

أغسطس 10
دعاء حفظ الأبناء

أدعية لحفظ الأبناء من الشر والسوء، مع أدعية التحصين والهداية والعافية، وأبرز ما ورد في القرآن والسنة مما يمكن للوالدين الدعاء به لأولادهم.

أغسطس 10
عمر بن الخطاب رضى اللة عنه

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يبلغ نحو 51 عامًا وبضعة أشهر عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وفقًا لأصح الأقوال في عمره ووقت وفاة الرسول

أغسطس 10
 أبي بكر الصديق رضى اللة عنه

يروي هذا المقال موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه عقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف ثبت أمام صدمة المسلمين وأعاد إليهم اليقين بآيات القرآن

أغسطس 10
الصلاة

أوضحت دار الإفتاء المصرية حكم ترك قراءة الفاتحة خلف الإمام لكبير السن الذي يعاني مشقة وإرهاقًا شديدًا عند الكلام، وبيّنت متى تصح صلاته دون قراءتها.