سمّى القرآن الكريم سورة كاملة باسم مريم عليها السلام، وخصّ قصتها بمساحة واسعة، كما ورد ذكرها في سور آل عمران والأنبياء والتحريم، لتظل سيرتها نموذجًا خالدًا للعفة والإيمان والصبر والثقة بالله تعالى.
وقد ارتبطت قصة مريم عليها السلام بمعجزة عظيمة، هي ولادة عيسى عليه السلام من غير أب، لتكون آية على قدرة الله سبحانه وتعالى، ودليلًا على أن قدرته لا تتوقف على الأسباب المعتادة.
مكانة مريم عليها السلام في القرآن
وردت قصة مريم عليها السلام في مواضع متعددة من القرآن الكريم، وبيّن الله تعالى طهارتها وعفتها واصطفاءها.
كما ورد في الحديث الصحيح أن الشيطان يمس كل مولود عند ولادته، واستثنى من ذلك عيسى ابن مريم وأمه، وربط أبو هريرة رضي الله عنه ذلك بدعاء أم مريم عندما قالت: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}.
وتكشف هذه الإشارة عن منزلة مريم عليها السلام وما أحاطها الله به من فضل ورعاية.
اعتزال مريم قومها وبداية المعجزة
بدأ المشهد القرآني باعتزال مريم عليها السلام قومها، قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا}.
وفي هذا المكان أرسل الله إليها جبريل عليه السلام في صورة بشر سوي، ففزعت مريم من المفاجأة، واستعاذت بالله منه قائلة: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا}.
فطمأنها جبريل عليه السلام، وأخبرها أنه رسول من ربها، وأن الله تعالى سيهب لها غلامًا زكيًا.
كيف حملت مريم بعيسى عليه السلام؟
تعجبت مريم عليها السلام من البشارة، وسألت عن كيفية حدوث الولد، وهي لم يمسسها بشر ولم تكن ذات فاحشة.
فجاءها الجواب الإلهي الذي يرد الأمر إلى قدرة الله المطلقة: {كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}.
وهكذا كان حمل عيسى عليه السلام معجزة إلهية، لا يحتاج فهمها إلى إخضاع قدرة الله لقوانين الأسباب المعتادة؛ فالله سبحانه خالق الأسباب والمسببات، ولا يعجزه شيء.
وقد ذكر القرآن الكريم أن مريم حملت بعيسى ثم اعتزلت به مكانًا قصيًا، دون أن يفصل في جميع تفاصيل كيفية الحمل ومدته.
ولادة عيسى عليه السلام تحت النخلة
وصلت مريم عليها السلام إلى مرحلة المخاض وهي وحيدة، فاشتد عليها الألم والقلق، وقالت: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا}.
وفي أشد لحظات المحنة جاءها الفرج والطمأنينة، فناداها من تحتها ألا تحزن، وأخبرها أن الله جعل تحتها ماءً جاريًا.
ثم أمرها أن تهز جذع النخلة، فقال تعالى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا}.
وهنا يظهر جانب مهم من قصة مريم، وهو الجمع بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب؛ فقد كان الله قادرًا على أن يسقط الرطب عليها دون أن تهز جذع النخلة، لكنه وجّهها إلى بذل السبب مع الاعتماد عليه سبحانه.
كيف واجهت مريم قومها بعد الولادة؟
بعد ولادة عيسى عليه السلام عادت مريم إلى قومها وهي تحمل طفلها، فواجهت اتهامات واستنكارًا شديدًا؛ لأنهم يعرفون عفتها وطهارتها.
قالوا لها: {يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا}، وذكّروها بصلاح أبيها وأمها.
لكن مريم عليها السلام لم تدخل في جدال طويل، وإنما أشارت إلى طفلها، فتعجب قومها وقالوا: {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا}.
عيسى عليه السلام يتكلم في المهد
جاءت المعجزة التي أظهرت براءة مريم عليها السلام، فقد تكلم عيسى عليه السلام في المهد وقال: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا}.
وكان أول ما أعلن عنه أنه عبد لله، ثم ذكر ما أنعم الله به عليه من الكتاب والنبوة، وقال: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا}.
كما أكد بره بأمه، فقال: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا}.
وختم حديثه بتأكيد التوحيد: {وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ}.
وهكذا جاء كلام عيسى عليه السلام في المهد مؤكدًا عبوديته لله ونبوته، ومبرئًا أمه، ودالًا على أن المعجزة لا تعني خروج الإنسان عن عبوديته لله تعالى.
عفة مريم عليها السلام في القرآن
أكد القرآن الكريم عفة مريم عليها السلام في أكثر من موضع، فقال تعالى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا}، وقال سبحانه: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا}.
وهذه الآيات تؤكد طهارتها وبراءتها، وأن حملها بعيسى عليه السلام كان بأمر الله تعالى ومعجزة من معجزاته.
والأصل في مثل هذه الأمور الغيبية الوقوف عند ما جاء به القرآن الكريم، وعدم التكلف في تفاصيل لم يرد بها نص صريح؛ لأن المقصود هو الاعتبار بقدرة الله وحكمته، لا الانشغال بتفاصيل لا يترتب عليها حكم أو فائدة شرعية.
هل كانت مريم عليها السلام نبية؟
ذكر أهل العلم خلافًا في هذه المسألة، لكن جمهور العلماء على أن مريم عليها السلام ليست نبية، وإنما هي من أعظم النساء منزلة واصطفاءً وطهارة.
قال تعالى: {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ}، وهو وصف عظيم يدل على صدقها وإيمانها وطهارتها.
أبرز الدروس من قصة مريم وعيسى عليهما السلام
تحمل قصة مريم وعيسى عليهما السلام مجموعة كبيرة من الدروس الإيمانية، من أبرزها أن قدرة الله تعالى لا يحدها سبب ولا قانون بشري.
كما تعلمنا القصة أهمية العفة والثبات أمام الابتلاء، وأن الإنسان قد يمر بموقف لا يستطيع تفسيره للآخرين، لكن الله قادر على إظهار الحق وتبرئة المظلوم.
وتبرز القصة أيضًا قيمة الأخذ بالأسباب مع التوكل، فقد أُمرت مريم بهز جذع النخلة رغم شدة ضعفها وحاجتها.
ومن أعظم معاني القصة كذلك أن عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله، وأن المعجزة لا تغير حقيقة العبودية لله سبحانه وتعالى.
أين وردت قصة مريم عليها السلام في القرآن؟
وردت بصورة موسعة في سورة مريم، كما وردت في سور آل عمران والأنبياء والتحريم.
كيف حملت مريم بعيسى عليه السلام؟
كان حملها بعيسى عليه السلام معجزة من الله تعالى، وقد أخبر القرآن أن الله نفخ فيها من روحه، دون أن يفصل في التفاصيل التي لم يرد بها نص صريح.
ماذا قال عيسى عليه السلام وهو في المهد؟
قال: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا}، وأكد عبوديته لله وبره بأمه.
ما أبرز صفة لمريم عليها السلام في القرآن؟
من أبرز صفاتها العفة والطهارة والاصطفاء والصدق في الإيمان.
ما أهم درس في قصة مريم وعيسى؟
أن قدرة الله تعالى مطلقة، وأن الإنسان ينبغي أن يجمع بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب والصبر عند الابتلاء.



